في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل ساحات النزاع من طهران إلى جنوب لبنان، لم يعُد القرار اللبناني بمنح السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني، الذي لم يباشر مهمّاته رسمياً بَعد، مهلة حتى يوم الأحد، مجرّد إجراء ديبلوماسي تقني، بل تحوّل إلى عنوان سياسي-سيادي، يعكس إعادة رسم حدود العلاقة مع طهران. وتكشف معطيات متقاطعة من «الخارجية»، إلى الرئيسَين جوزاف عون ونواف سلام، أنّ ما يجري يتجاوز واقعة ديبلوماسية إلى محاولة تأسيسية لإعادة لبنان إلى موقع الدولة، لا الساحة.
من التراكم إلى القرار
لم يأتِ القرار من فراغ. فبحسب مصادر ديبلوماسية، تراكمت خلال الأشهر الماضية سلسلة مواقف وتصريحات إيرانية اعتُبرت تدخُّلاً مباشراً في الشأن اللبناني، سواء عبر التعليق على مسألة سلاح «حزب الله» أو عبر ربط لبنان بمسارات التفاوض الإقليمي. وقد بلغ هذا التدخُّل ذروته حين شدَّدت طهران في سياق الحرب الدائرة على أنّ أي تسوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل يجب أن تشمل لبنان، في مقاربة تضع البلاد ضمن «سلّة تفاوضية» لا ضمن دولة ذات قرار مستقل.
هذا الواقع يتقاطع مع معطيات ميدانية أكثر حساسية، إذ تؤكّد تقارير حديثة دعمها كلام الرئيس سلام، عن أنّ نحو 100 عنصر من الحرس الثوري الإيراني دخلوا لبنان بعد حرب 2024، بهدف إعادة هيكلة «حزب الله» وإعادة تنظيم قدراته العسكرية، بما يعكس مستوى الانخراط الإيراني المباشر في إدارة الصراع من الأراضي اللبنانية، ممّا يُعدّ خرقاً فاضحاً لاتفاقية فيينا التي تحدِّد طبيعة العلاقات بين الدول.
غطاء سياسي كامل وتحول في المقاربة
مصدر مقرّب من الرئيسَين يختصر التحوّل بالقول إنّ «لبنان لم يعُد يحتمل أن يكون منصة رسائل إقليمية»، مشيراً إلى أنّ ضبط العلاقة مع إيران بات شرطاً لحماية الكيان نفسه. هذا الموقف ليس جديداً بالكامل، إذ سبق للرئيس عون أن شدّد أمام مسؤولين إيرانيِّين على رفض أي تدخُّل خارجي، مؤكّداً أنّ السلاح والقرار الأمني هما حصراً بيَد الدولة اللبنانية.
في المقابل، يكشف مصدر حكومي قريب من سلام، أنّ القرار يندرج ضمن «خطة أوسع لفصل المسار اللبناني عن مسارات النزاع الإقليمي»، ولا سيما منع استخدام لبنان كورقة تفاوض في الصراع الإيراني - الإسرائيلي. ويشير إلى أنّ الحكومة تعتبر أنّ أي وقف لإطلاق النار يجب أن ينبع من قرار لبناني سيادي، لا من تفاهمات تُعقَد خارج حدوده، على مبدأ «إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على لائحة الطعام».
اتفاقية فيينا... النص الغائب الحاضر
في صلب هذا التوجّه، تستعيد الأوساط الديبلوماسية اللبنانية مرجعية اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية، ولا سيما المادة 41 التي تنص بوضوح على أنّه «يجب على جميع الأشخاص الذين يتمتّعون بالامتيازات والحصانات احترام قوانين الدولة المعتمدين لديها، وعدم التدخُّل في شؤونها الداخلية».
وبحسب هذه الأوساط، فإنّ الإشكالية لم تعُد في الخلاف السياسي، بل في «خرق منهجي» لهذه القاعدة، سواء عبر تصريحات رسمية إيرانية تناولت ملفات لبنانية حساسة، أو عبر طبيعة العلاقة المباشرة بين السفارة الإيرانية وأطراف سياسية داخلية، خارج الأطر الرسمية.
المفارقة أنّ طهران كانت قد أعلنت، قبل أشهر، رغبتها في «فتح صفحة جديدة» مع لبنان على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخُّل. إلّا أنّ الوقائع اللاحقة لم تعكس هذا التوجّه، بل أظهرت استمرار النهج نفسه، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة، وصولاً إلى دخول عناصر الحرس الثوري بجوازات سفر عادية مزوَّرة أو ديبلوماسية لم تتبلّغ بها وزارة الخارجية وفق الأصول، ولا تزال السفارة الإيرانية تمتنع عن إبلاغ الوزارة بهوية جميع الإيرانيِّين المتواجدين على الأراضي اللبناني بجوازات سفر ديبلوماسية.
وتستشهد هذه المصادر بتصريحات إيرانية سابقة اعتبرت مسار نزع سلاح «حزب الله»: «مؤامرة»، ما دفع الخارجية اللبنانية حينها إلى استدعاء السفير الإيراني احتجاجاً على ما وصفته بتدخُّل غير مقبول في الشؤون الداخلية.
شروط إعادة بناء العلاقة
في هذا السياق، لم تعُد بيروت تكتفي بالاعتراض، بل وضعت، وفق التسريبات، إطاراً واضحاً لأي تسوية محتملة مع إيران، يجري التواصل بشأنه مع جميع الأطراف منها التي اعترضت أيضاً على القرار. هذا الإطار يبدأ باعتذار إيراني علني عن مجمل التدخُّلات السابقة، ويمرّ بالتزام صريح بوقف أي تصريحات أو أعمال (عسكرية أو مالية أو لوجستية لـ»حزب الله» أو غيره) تتعلّق بالشأن الداخلي اللبناني، وصولاً إلى اعتراف كامل بحق الدولة اللبنانية الحصري في إدارة ملف التفاوض مع إسرائيل.
كما يتضمّن هذا المسار مطلباً غير مسبوق بكشف هوية العناصر المرتبطة بالحرس الثوري التي دخلت لبنان وترحيلهم فوراً من لبنان، في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط الحدود بين العمل الديبلوماسي والعمل الأمني، وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة.
مصادر نفسها تُشدِّد على أنّ الهدف ليس قطع العلاقات مع إيران، بل إعادة تعريفها على قاعدة الندية. غير أنّها تقرّ في الوقت عينه بأنّ فشل هذا المسار سيضع لبنان أمام خيارات تصعيدية، تبدأ بخفض التمثيل الديبلوماسي ولا تنتهي عند حدود ذلك.
في المقابل، ترى أوساط سياسية أنّ هذه المقاربة تشكّل فرصة نادرة للبنان لإعادة التموضع، واستعادة ثقة العالم العربي والمجتمع الدولي، في لحظة يحتاج فيها إلى دعم سياسي واقتصادي غير مسبوق.
هكذا، تتحوَّل مهلة الأحد من مجرّد تاريخ إلى اختبار فعلي: فهل تقبل طهران بإعادة صياغة علاقتها مع بيروت وفق قواعد الدولة، أم يستمر لبنان في موقع الساحة المفتوحة؟ في الحالتَين، تشير الوقائع إلى أنّ القرار اللبناني هذه المرّة ليس عابراً. بل محاولة جدّية لفرض معادلة جديدة: سيادة أو مواجهة.